عثمان بن جني ( ابن جني )

260

الخصائص

واتباعهم إيّاها فروعه - وكذا ينبغي أن يعتقد ذلك منهم ؛ لما نذكره آنفا - فهو مفخر لهم ، ومعلم من معالم السّداد ، دلّ على فضيلتهم . والذي يدلّ على أنهم قد أحسّوا ما أحسسنا ، وأرادوا [ وقصدوا ] ما نسبنا إليهم إرادته وقصده شيئان : أحدهما حاضر معنا ، والآخر غائب عنا ، إلا أنه مع أدنى تأمّل في حكم الحاضر معنا . فالغائب ما كانت الجماعة من علمائنا تشاهده من أحوال العرب ( ووجوهها ) ، وتضطرّ إلى معرفته من أغراضها وقصودها : من استخفافها شيئا أو استثقاله ، وتقبّله أو إنكاره ، والأنس به أو الاستيحاش منه ، والرضا به ، أو التعجّب من قائله ، وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقصود ، بل الحالفة على ما في النفوس ؛ ألا ترى إلى قوله : تقول - وصكّت وجهها بيمينها - * أبعلي هذا بالرحى المتقاعس ! " 1 " فلو قال حاكيا عنها : أبعلي هذا بالرحى المتقاعس - من غير أن يذكر صكّ الوجه - لأعلمنا بذلك أنها كانت متعجّبة منكرة ، لكنّه لمّا حكى الحال فقال : ( وصكّت وجهها ) علم بذلك قوّة إنكارها ، وتعاظم الصورة لها . هذا مع أنك سامع لحكاية الحال ، غير مشاهد لها ، ولو شاهدتها لكنت بها أعرف ، ولعظم الحال في نفس تلك المرأة أبين ، وقد قيل ( ليس المخبر كالمعاين ) ولو لم ينقل إلينا هذا الشاعر حال هذه المرأة بقوله : وصكّت وجهها ، لم نعرف به حقيقة تعاظم الأمر لها . وليست كلّ حكاية تروى لنا ، ولا كلّ خبر ينقل إلينا يشفع به شرح الأحوال التابعة له ، المقترنة - كانت - به . نعم ولو نقلت إلينا لم نفد بسماعها ما كنا نفيده لو حضرناها . وكذلك قول الآخر :

--> ( 1 ) البيت لهذلول بن كعب العنبري في شرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 696 ، وبلا نسبة في خزانة الأدب 8 / 430 ، والخصائص 1 / 245 ، والدرر 1 / 293 ، واللامات ص 58 ، والمنصف 1 / 130 . القعس : نقيض الحدب ، وهو خروج الصدر ودخول الظهر . اللسان ( قعس ) .